وكالة مهر للأنباء: كشفت التطورات المتسارعة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، مرة أخرى، عن حقيقة استراتيجية جلية: أن العلاقة بين إيران وحزب الله ليست تحالفًا مؤقتًا، ولا حتى مجرد تعاون عسكري، بل هي رابطة عميقة ومتعددة الأوجه ودائمة، تشكلت عبر الزمن، وأصبحت اليوم إحدى الركائز الأساسية لمعادلات الأمن في غرب آسيا. ولا يمكن فهم هذه العلاقة دون إدراك طبيعة التهديدات المشتركة والتجارب الميدانية المتداخلة.
منذ نشأته، لم يكن حزب الله في لبنان مجرد فاعل محلي أو قوة مقاومة محصورة في لبنان. بل تحول تدريجيًا إلى فاعل إقليمي مؤثر، قادر على تغيير موازين القوى في مواجهة الكيان الصهيوني. وفي هذا المسار، وقفت إيران إلى جانب حزب الله ليس كداعم فحسب، بل كشريك استراتيجي؛ شراكة بدأت في المجالين الفكري والأيديولوجي، وارتقت إلى مستوى التنسيق العملياتي والأمني المعقد.
ما يميز هذه الرابطة عن غيرها من العلاقات المماثلة هو "التصور المشترك للتهديد". لا تنظر كل من إيران وحزب الله إلى الكيان الصهيوني باعتباره تهديدًا مؤقتًا، بل خطرًا بنيويًا على الاستقرار الإقليمي. وقد جعلت هذه الرؤية المشتركة التعاون بين الجانبين ليس مجرد رد فعل، بل استباقيًا وردعيًا. ولذلك، يُنظر إلى أي عمل عسكري ضد أي طرف من أطراف هذا المحور على أنه تهديد للنظام بأكمله.
إضافةً إلى ذلك، فقد أسهمت التجارب الميدانية المشتركة، لا سيما في حروب لبنان والتطورات في سوريا، في خلق مستوى من الثقة العملياتية بين إيران وحزب الله يصعب استبداله. وقد أدى هذا التعاون إلى ابتكار "لغة استراتيجية مشتركة"؛ لغة تُتخذ القرارات فيها لا بناءً على اعتبارات قصيرة الأجل، بل مع مراعاة التداعيات الإقليمية طويلة الأجل.
في هذا الإطار، من الطبيعي أن يكون لمفهوم وقف إطلاق النار تعريف مختلف لهذا المحور عن المفهوم التقليدي. فمن وجهة نظر إيران وحزب الله، لا يُعد وقف إطلاق النار مجرد توقف مؤقت للنزاع، بل هو جزء من عملية إدارة الأزمات التي يجب أن تشمل جميع الأطراف المعنية. بمعنى آخر، لا يُمكن توقع استدامة وقف إطلاق النار أو حتى قبوله دون مراعاة الوضع في لبنان ودور حزب الله.
وقد أثبتت التجربة الأخيرة هذه الحقيقة بوضوح. ففي ظل وجود مؤشرات على تحرك نحو وقف إطلاق نار محدود بين إيران والولايات المتحدة، كان من المتوقع أن تُفضي هذه العملية إلى تخفيف حدة التوتر على جبهات أخرى. إلا أن تصرفات الكيان الصهيوني في الأيام الأولى لوقف إطلاق النار، وتنفيذه هجمات يُمكن وصفها بحق، بأنها من أبشع الأعمال في لبنان، أظهرت أن هذا الكيان لا يزال يسعى إلى زعزعة أي توازن قد يُلحق به الضرر.
لم يكن هذا العمل انتهاكًا صريحًا لروح وقف إطلاق النار فحسب، بل كان أيضًا محاولة واضحة لعزل الجبهة اللبنانية عن المعادلات الإقليمية الأخرى؛ وهي محاولة قوبلت برد حاسم من إيران. كان موقف طهران من هذه القضية واضحًا لا لبس فيه منذ البداية: أي وقف لإطلاق النار يتجاهل لبنان، وحزب الله على وجه الخصوص، غير مقبول.
يرتكز هذا الموقف على مبدأ أساسي في السياسة الإقليمية الإيرانية، وهو مبدأ "وحدة جبهة المقاومة". ووفقًا لهذا الرأي، فإن جبهات المقاومة المختلفة ليست مكونات منفصلة يمكن إدارتها بشكل مستقل، بل هي شبكة مترابطة، حيث يؤثر أي تغيير في أي جزء منها على بنيتها بأكملها. ولذلك، فإن أي محاولة لإحداث ثغرة في هذه الشبكة محكوم عليها بالفشل.
وفي هذا السياق، يكتسب تأكيد سماحة آية الله السيد مجتبى الخامنئي، قائد الثورة الإسلامية، في رسالته إلى الأمين العام لحزب الله اللبناني، أهمية خاصة. فمن خلال تأكيده على "السياسة الثابتة" للجمهورية الإسلامية الإيرانية في دعم المقاومة، أكد مجددًا أن هذا الدعم ليس رهنًا بظروف مؤقتة، بل هو جزء لا يتجزأ من الهوية الاستراتيجية لإيران.
وعندما يُقال إن إيران تعتبر الدفاع عن المقاومة وحزب الله بمثابة دفاع عن أراضيها، فإن ذلك يعكس واقعًا عمليًا أثبته الميدان مرارًا وتكرارًا في السنوات الأخيرة. هذا المنظور يعني أن أمن إيران لا يقتصر على حدودها الجغرافية فحسب، وأن أي تهديد لمحور المقاومة قد يتحول في نهاية المطاف إلى تهديد لأمنها القومي.
لذا، في مواجهة التطورات الأخيرة، لم تتراجع طهران عن موقفها فحسب، بل أوضحته بشكل جليّ: استمرار الهجمات على حزب الله يعني فعلياً نهاية أي سبيل للتفاوض. هذه الرسالة، أكثر من كونها تهديداً، هي تفسير لواقعٍ يدركه الطرفان المتنازعان تماماً.
من جهة أخرى، يُظهر سلوك الكيان الصهيوني أنه لا يزال يفتقر إلى فهم دقيق لهذه المعادلة، أو أنه يُفضّل دفع الموقف نحو مزيد من التوتر عبر أعمالٍ استفزازية. وقد أثبتت التجارب السابقة، بدءاً من حرب الأيام الثلاثة والثلاثين وصولاً إلى نزاعاتٍ أقلّ صرامة، مراراً وتكراراً أن هذا النهج لم يُضعف حزب الله فحسب، بل زاد من قوته الرادعة.
اليوم، أصبح حزب الله لاعباً حاسماً في المعادلات الإقليمية أكثر من أي وقت مضى. لا ينبع هذا الموقف من القوة العسكرية فحسب، بل هو نتاج مزيج من الشرعية الاجتماعية والخبرة الميدانية والدعم الاستراتيجي. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إنكار دور إيران كداعم مستقر.
وأخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن العلاقة بين إيران وحزب الله تُعدّ عاملًا ثابتًا في المعادلات الإقليمية، عاملًا لا يمكن تغييره بالضغط السياسي أو العمل العسكري. وأي محاولة لتجاهل هذه الحقيقة لن تؤدي إلا إلى تفاقم الأزمات وزيادة التكاليف على الأطراف المتدخلة.
وبناءً على ذلك، إذا ما أُريدَ التوصل إلى وقف لإطلاق النار في المنطقة يُسهم حقًا في تخفيف حدة التوترات، فيجب أن يُبنى على فهم دقيق لهذه العلاقة، مع مراعاة جميع أطراف محور في المقاومة. وإلا، فإن أي اتفاق سيتحول إلى هدنة مؤقتة في مسار أزمة طويلة الأمد، بدلًا من أن يكون حلًا جذريًا.
/انتهى/
تعليقك